مشاهير
| ١٦-٠٤-٢٠١٨

يوسف شاهين المثير للجدل.. حيا وميتاً

Egyptian director Youssef Chahine waves to end a photocall for his film 'Alexandrie ..... New York' which competes in the 'Un Certain Regard' competition at the 57th Cannes Film Festival, May 21, 2004.

 

بعد مرور 10 سنوات على رحيله، لا يزال اسم المخرج المصري يوسف شاهين، يُثير الجدل بسبب شخصيته المختلفة التي طغت على أعماله السينمائية، واتّباعه منهجاً منفرداً في مدرسته الإخراجية الخاصة.

وفي الذكرى العاشرة لوفاته٬ استضاف معرض القاهرة الدولي للكتاب، ندوة بعنوان “يوسف شاهين.. 10 سنوات على رحيله”، أدارها المخرج أمير رمسيس، وتحدث خلالها كل من المخرج سمير سيف، والمنتج هشام سليمان عن ذكرياتهما مع المخرج الراحل الكبير.


بدايةً تحدث المخرج أمير رمسيس عن تأثره المبكر بيوسف شاهين، حين ذهب مع والده لمشاهدة فيلم “إسكندرية كمان وكمان”، والذي وصفه بأنه كان سبباً في تغيير نظرته إلى السينما وما يمكنها أن تصنعه، فقرر أن يصبح مخرجاً، وعمل في شركة أفلام مصر العالمية المملوكة لشاهين بعد ذلك.


من جانبه، قال المخرج سمير سيف، إن الذي جعله يقع في حُبّ مهنة الإخراج هو فيلم “صراع في الوادي”، مؤكداً أنه شاهده ما يقرب من 200 مرة ليحفظ المشاهد، مشيراً إلى تأثر شاهين بالمخرجين الأميركي إيليا كازان، والمصري عز الدين ذو الفقار، الذي منح شاهين فرصاً غيّرت مسار حياته، حين رشّحه لإخراج فيلم “جميلة بوحريد”، وكذلك فيلم “الناصر صلاح الدين”، الذي تنازع على إخراجه عدد من المخرجين بعد مرض ذو الفقار، والذي كان من المقرر أن يُخرج هو الفيلم، وجاءت وصية المخرج الراحل للمنتجة آسيا، لتحسم الأمر وتمنح الفيلم لشاهين.


أما المنتج هشام سليمان، فقال إن شاهين كلفه بمنصب مدير الإنتاج في فيلمه “المصير”، وأنه استفاد من وجوده إلى جواره، مشيراً إلى نصيحتين أسداهما إليه شاهين والتزم بهما طوال حياته “لا تكذب أبداً في العمل”، و”لا تكن فهلويّاً”.

على عكس التيار، وبينما يميل البعض إلى إحياء الذكرى العاشرة لوفاته يوسف شاهين بإقامة الندوات للحديث عن مسيرته وأفلامه، أو تكريم اسمه في المهرجانات السينمائية المختلفة، كما حدث في مهرجاني شرم الشيخ والأقصر للسينما الأفريقية، خاضت زهرة الخليج رحلة في الاتجاه المعاكس، واستهدفت إعادة طرح ما رآه البعض مشكلات في سينما يوسف شاهين، وتقييم التجربة السينمائية العظيمة للرجل وفق معايير الصناعة التي تغيرت كثيراً منذ وفاته، ليس فقط بعيون مخرجين ونقاد من أجيال مختلفة، ولكن بعيني شاهين نفسه.

“أخرج من هذا الفيلم بإحساس كامل بالإحباط بل بالغضب، إن فناناً سياسياً واعياً مثل يوسف شاهين لا يمكن أن يقول كلمته للناس بهذه اللغة، ولا يمكن أن يظل يصنع أفلامه للنقاد والمهرجانات، لأن دوره هو بالذات أن يقدم لجمهورنا البديل لسينما نيازي مصطفى وحسن الصيفي وحسن الإمام، وإذا كان “الإبن الضال” هو البديل فإن حسن الإمام يكسب بكل تأكيد”. كانت تلك كلمات الناقد السينمائي سامي السلاموني، في مقال بعنوان “عاد فلم يفهمه أحد”، المنشور في مجلة “الإذاعة” 2 أكتوبر 1976، والذي يتحدث كغيره من عشرات النقاد عن تعقيد أفلام يوسف شاهين.

تأتي الصعوبة في فهم أفلام شاهين كما كان يحب أن ينادوه، من كونه فكّك بنية القصة التقليدية، واعتمد أساليب جديدة في الحكي، خلقت نوعاً من الجدل والمطالبات بوقف تدخله في السيناريو، على اعتباره غير متخصص ويفسد أفلامه بهذا التدخل.


الأمر الذي يعلّق عليه المخرج أمير رمسيس قائلاً: “مع احترامي الكبير لجيل نقاد الثمانينات، وإسهاماتهم السينمائية الواسعة، إلا أنهم كانوا منحازين إلى أنواع فيلمية معينة، وكان التفكيك الذي قام به شاهين في بنية القصة التقليدية يُزعجهم كثيراً”.


الأمر ذاته يتفق معه الناقد السينمائي وصاحب كتاب السينما والرقص على الحبال المشدودة، كريم فرغلي، حين أكد رفضه لتعبير الحجر على يوسف شاهين لمنعه من التدخل في السيناريو، موضحاً: “ليس من حق أحد المصادرة على رؤية المبدع، أو التدخل في طريقة صناعته لفيلمه، أقصى ما يمكن للناقد فعله هو تقييم العمل الفني بعد صدوره، هذا أولاً. ثانياً، جزء من زخم يوسف شاهين هو هذا التنوع الشديد في أفلامه، والذي أتى جزء منه نتيجة لمساته على السيناريو”.


في حين يعترف أندرو محسن، بأن مستوى شاهين وإضافاته على السيناريو كانت متذبذبة للغاية، فجاءت بعض الأفلام قوية وعميقة، في حين جاء بعضها ضعيفاً، إلا أنه على مستوى الإخراج لم يتذبذب أبداً، وقدم كل أفلامه بقوة وتأثير بصري عظيم حتى في أضعف أفلامه، ما يجعله يحب الرجل كمخرج أكثر منه سيناريست، مع إقراره بحقه التام في الكتابة وعدم المصادرة على أي مُبدع.

وعن اتهام شاهين بقولبته مُمثليه ومحاولة التأثير في طريقتهم أثناء التمثيل، أكّد أمير رمسيس الذي شارك في ثلاثة أفلام٬ أن المخرج الراحل كان حريصاً على أن يفهّم الممثل لماذا يؤدي هذا المشهد، ثم يتركه بعد ذلك إلى إبداعه الشخصي من دون تقييد بطريقة٬ وأضاف “أعتقد أن التأثير الذي أحسه الجمهور لم يكن متعمداً، الأمر غير متعلق بشاهين فقط، بعض المخرجين الكبار يؤثرون فيمن حولهم، ممثلات ممن عملن مع حسين كمال، يحتفظن إلى الآن بطريقته في الحديث حتى في حياتهن اليومية”.
أندرو محسن اعتبر من جهته أنّ من تأثروا بشاهين كانوا من الممثلين الأقل خبرة وموهبة ما جعلهم مقلدين لأدائه، وأبرز دليل على ذلك أن كبار الممثلين الموهوبين من أمثال: محمود المليجي، محسنة توفيق، ونور الشريف، وغيرهم لم يقعوا في هذا الفخ.


وفي حين يتفق كريم فرغلي مع نقطة مسؤولية الممثل، يذهب إلى أبعد من ذلك مؤكداً على حق المخرج في إدارة فريق تمثيله بما يحقق رؤيته، مشيراً إلى أنه لا يوجد مخرج لديه رؤية ويحترم ذاته، سيترك كل ممثل يمثل بالشكل الذي يحلو له، وإنما هناك بالتأكيد خطوط عريضة يفرضها المخرج، غير أنه من الظلم القول إن شاهين كان خانقاً لإبداع ممثليه.


على امتداد الخط نفسه ومسألة المصادرة والتحكم في الآخرين، تناولت زهرة الخليج أزمات شاهين مع مؤلفي أفلامه، أو المساعدين في الكتابة، فحياته لم تَخْلُ من خلافات حادة الملكية الفكرية لسيناريوهات الأفلام، وحقه كمخرج في التصرف في الأفكار وفقاً لرؤيته، لعل أبرزها خلافه الحاد والشهير مع الكاتب الكبير يوسف إدريس حول فيلم “حدّوتة مصرية”.


ويقول أمير رمسيس عن هذا الأمر: “أي كتابة مشتركة من الممكن أن تحدث مشكلة كبيرة، لأن هناك مزيجاً يصنع أثناء رحلة الكتابة نفسها، أثناء التفاعل بين المخرج والمؤلف، هذا المنتج الجديد يولد النزاع بين المخرج والمؤلف على ملكيّة العمل وانتماء الأفكار، وهذه مشكلة ليست مرتبطة بشاهين فقط”. مؤكداً أن المخرج الراحل لم يَسْطُ على أحد أبداً، وعلى أي خلاف مع مؤلف أو سيناريست كان المخرج الراحل حريصاً على منح الحق الأدبي على الـ”تترات” وإن اختلفا على ملكيّة الأفكار.

وعن علاقة يوسف شاهين بالرقابة، وما أثير عن أنه كان مُدلّلاً، وأن هناك يقبل منه ما لا يقبل من غيره، ويصرح له بأفلام ومشاهد لا يتصور أن تقبلها الرقابة، يؤكد المخرج الذي عانى مع الرقابة قبل تمرير فيلمه «يهود مصر» أمير رمسيس، أن المشكلة ليست مشكلة شاهين، وإنما الرقابة في مصر لا تعتمد معايير ثابتة، والأمر مرتبط بقوة المبدع، ومدى قدرته على الأخذ والرد، إن كانوا مرّروا لشاهين ما لم يمرروا لغيره، فالأمر ليس حباً فيه، ولكن لأن المعركة بينهم وبين شاهين كانت ستضرهم أكثر مما ستنفعهم، فكلما علت قيمة المبدع فتح لنفسه مساحة أكبر.


وإذا كان رمسيس يرى أن الرقابة كانت أقل حدة مع شاهين، فإن كريم فرغلي لا يوافق على هذا الطرح، إذ يرى أن شاهين عانى كثيراً التعنّت الرقابي، ويضرب مثلاً بفيلم “المهاجر”، الذي خصص له جزءاً في كتابه الأخير، مؤكداً: “كان بين شاهين والرقابة سجالات عنيفة، ومحاولة تصويره على إنه كان مدللاً فيها ظلم له”.

وفي سياق آخر٬ وعن مسألة الضعف الفني لبعض أفلام المخرج الراحل٬ يرى أندرو محسن، أن الاعتراف بالضعف الفني لبعض أفلام يوسف شاهين الأخيرة قال أمير رمسيس يقلل من قيمته كمخرج عظيم، ولكن يعطي تقييمنا لتجربته حيادية، ويعُقّب أمير رمسيس على مسألة الضعف الفني لبعض أفلام المخرج الراحل قائلاً: “يوسف شاهين هو أكثر المخرجين المصريين شهرة، وهو الوحيد تقريباً الذي يعرف الجمهور العادي اسمه وصورته، الرجل صنع أكثر من 35 فيلماً، ليس منطقياً أن تكون جميعاً في مستوى واحد، المهم أن مجمل التجربة يظل عظيماً ومتنوعاً كما لم يفعل غيره”

لن نقوم بنشر عنوان بريدك الإلكتروني

*

الأكثر